فخر الدين الرازي
70
تفسير الرازي
ما يؤخذ من الانسان بغير عوض ، وبهذا التقدير لا تكون الآية مجملة ، لكن قال بعضهم : إنها منسوخة ، قالوا : لما نزلت هذه الآية تحرج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئا ، وشق ذلك على الخلق ، فنسخه الله تعالى بقوله في سورة النور : * ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ) * ( النور : 61 ) الآية . وأيضا : ظاهر الآية إذا فسرنا الباطل بما ذكرناه ، تحرم الصدقات والهبات ، ويمكن أن يقال : هذا ليس بنسخ وإنما هو تخصيص ، ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال : هذه الآية محكمة ما نسخت ، ولا تنسخ إلى يوم القيامة . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) * يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل ، وأكل مال نفسه بالباطل ؛ لأن قوله : * ( أموالكم ) * يدخل فيه القسمان معا ، كقوله : * ( ولا تقتلوا أنفسكم ) * يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه بالباطل . أما أكل مال نفسه بالباطل . فهو إنفاقه في معاصي الله ، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه . ثم قال : * ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : * ( تجارة ) * بالنصب ، والباقون بالرفع . أما من نصب فعلى " كان " الناقصة ، والتقدير : إلا أن تكون التجارة تجارة ، وأما من رفع فعلى " كان " التامة ، والتقدير : إلا أن توجد وتحصل تجارة . وقال الواحدي : والاختيار الرفع ، لأن من نصب أضمر التجارة فقال : تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة ، والاضمار قبل الذكر ليس بقوى وإن كان جائزا . المسألة الثانية : قوله : * ( إلا ) * فيه وجهان : الأول : أنه استثناء منقطع ، لأن التجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل ، فكان " إلا " ههنا بمعنى " بل " والمعنى : لكل يحل أكله بالتجارة عن تراض . الثاني : ان من الناس من قال : الاستثناء متصل وأضمر شيئاً ، فقال التقدير : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، وإن تراضيتم كالربا وغيره ، إلا أن تكون تجارة عن تراض . واعلم أنه كما يحل المستفاد من التجارة ، فقد يحل أيضاً المال المستفاد من الهبة والوصية والإرث وأخذ الصدقات والمهر وأروش الجنايات ، فان أسباب الملك كثيرة سوى التجارة . فان قلنا : إن الاستثناء منقطع فلا إشكال ، فإنه تعالى ذكر ههنا سبباً واحد ، من أسباب الملك ولم يذكر سائرها ، لا بالنفي ولا باثبات . وإن قلنا : الاستثناء متصل كان ذلك حكما بأن غير التجارة لا يفيد الحل ، وعند هذا لا بد إما من النسخ أو التخصيص .